اسماعيل بن محمد القونوي

223

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أن صنوف البر مستفاد من صيغة فعيل والمبالغة بحسب الكمية من الصيغة وبحسب الكيفية من المادة ولا يبعد عكسه أو كل منهما من كل منهما وترك العطف لأنه مقصود على حياله وتقديم المسند إليه على الخبر المشتق ليفيد الحصر والمراد بعباده العباد الخلص إذ صنوف البر شاملة للبر الدنيوي والأخروي ويؤيده قوله لا يبلغها الأوهام أو الأفهام ولا يبعد التعميم إلى البر والفاجر ويؤيده في الجملة قوله تعالى : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ [ الشورى : 19 ] فإنه عام لهما . قوله : ( أي يرزقه كما يشاء فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته الحكمة ) أي يرزقه كما يشاء وهو المراد هنا لأن رزق كل دابة على اللّه تعالى ولا يظهر لطف قيد من يشاء إلا بملاحظة كما يشاء من التوسيع والتضييق كما مر مرارا وصيغة المضارع للاستمرار قوله فيخص كلا الخ فإذا كان نوعا من البر مخصوصا بكل من عباده كان جنس البر عاما لكل العباد فالتعميم باعتبار الجنس والتخصيص باعتبار النوع فلا منافاة قوله على ما اقتضته الحكمة فتوسيع رزق بعض وتضييق رزق بعض آخر أو توسيع رزق بعض في وقت وتضييقه في وقت آخر مما اقتضاه الحكمة ولو عكس لفسد حال العبد . قوله : ( الباهر القدرة المنيع الذي لا يغلب ) الباهر القدرة فهذه الجملة مقررة لما قبلها تذييلية فقوله وهو القوي مؤكد لقوله اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ والعزيز مقرر لقوله يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ لأن معناه لا يغلب على ما يريده ففيه طريق لف ونشر مرتب ومن جملة لطفه إنزال الكتاب وبيان الشرائع والأحكام . قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 20 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) قوله : ( ثوابها شبهه بالزرع من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل الدنيا مزرعة الآخرة والحرث في الأصل القاء البذر في الأرض ) ثوابها إشارة إلى أنه استعارة قوله قوله : أي يرزقه أي يرزق لطفه وبره لمن يشاء قوله فيخص كلا من عباده بنوع من البر إشارة إلى دفع شبهة نشأت من قوله اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ فإن معناه على ما فسره صاحب الكشاف اللّه بر قد توصل بره إلى جميع العباد وظاهر قوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ [ الشورى : 19 ] يدل على أنه تعالى يرزق بره من يشاء ويمنع ممن يشاء وظاهر هذا كما ترى تناقض فدفع رحمه اللّه هذه الشبهة بقوله فيختص الخ وجه الدفع أن ايصال نوع من البر إلى شخص دون شخص آخر بمقتضى الحكمة لا ينافي إيصال الجنس إلى كل أحد قال في الكشاف كلهم مبرورون لا يخلو أحد من بره إلا أن البر أصناف وله أوصاف والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير فيطير لبعض العباد صنف من البر لم يطر مثله لآخر وهذا حظ له وصف ليس ذاك الوصف لصاحبه فمن قسم منهم ما لم يقسم للآخر فقد رزقه وهو الذي أراد بقوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ [ الشورى : 19 ] كما يرزق أحد الأخوين ولدا دون الآخر على أنه أصابه بنعمة أخرى لم يرزقها صاحب الولد .